ثقافة وفاة الرسام الفلسطيني سليمان منصور: فنان الهوية الفلسطينية الذي حوّل الذاكرة إلى لوحات
وطن-رحل الفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور عن عمر ناهز 79 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً فنياً ارتبط على مدى عقود بالهوية الفلسطينية والذاكرة الوطنية ورموز الأرض، من شجرة الزيتون والكوفية إلى برتقال يافا والقدس.
وقالت صحيفة ميدل إيست آي إن منصور توفي خلال عطلة نهاية الأسبوع، بعد مسيرة طويلة جعلته أحد أبرز وجوه الفن الفلسطيني المعاصر، وصوتاً تشكيلياً عبّر عن ارتباط الفلسطيني بأرضه وتاريخه، في مواجهة محاولات طمس الهوية والذاكرة.
عائلة منصور تعلن رحيله
أعلنت عائلة الفنان الراحل خبر وفاته عبر حسابه على «إنستغرام»، في منشور قالت فيه إن «الفصل الأخير» من حياته قد كُتب، معربة عن حزنها لفقدان «أب ومصدر حب وقوة وبيت».
وتركت وفاة منصور فراغاً كبيراً في المشهد الفني الفلسطيني، بعدما تحولت أعماله على مدى عقود إلى جزء من الذاكرة البصرية الفلسطينية، وإلى رموز يتعرف إليها الجمهور داخل فلسطين وخارجها.
من بيرزيت إلى عالم الفن
ولد سليمان منصور في بلدة بيرزيت شمال رام الله عام 1947، قبل عام واحد من النكبة الفلسطينية عام 1948. ومنذ طفولته، ظهرت موهبته في الرسم، قبل أن يلتفت أحد معلميه في مدرسة داخلية بمدينة بيت لحم إلى قدراته الفنية، ويشجعه على تطوير موهبته والمشاركة في مسابقات للرسم.
وفي مقابلة مع ميدل إيست آي عام 2023، روى منصور أن معلمه أرسل أعماله إلى أحد نوادي الرسم، ثم أبلغه لاحقاً بأنه فاز في مسابقة تابعة لـ«أطفال العالم» في الأمم المتحدة عام 1962، وهي محطة مبكرة ساعدت في ترسيخ علاقته بالفن.
الفن في مواجهة محو الذاكرة
بالنسبة إلى منصور، لم يكن الرسم مجرد تعبير جمالي، بل وسيلة لحماية الذاكرة الفلسطينية وتثبيت حضورها. ورأى الفنان الراحل أن الفلسطينيين واجهوا طويلاً محاولات لإنكار وجودهم التاريخي على أرضهم، وأن الفن يمكن أن يؤدي دوراً في استعادة الصور والرموز التي تعبّر عن هذا الوجود.
وقال في حديثه للصحيفة إن الفنانين الفلسطينيين من جيله بدأوا البحث في الثقافة التقليدية والمناظر الطبيعية والرموز الشعبية، سعياً إلى إنتاج صور تعكس الهوية الفلسطينية وتربط الإنسان بالأرض.
الزيتون والبرتقال.. رموز الأرض
احتلت شجرة الزيتون مكانة أساسية في أعمال منصور، إلى جانب رموز أخرى مثل برتقال يافا، والثوب الفلسطيني المطرز، والكوفية والحمامة والقدس. وكان يرى أن هذه العناصر ليست مجرد تفاصيل زخرفية، وإنما تحمل تاريخاً وذاكرة وتجربة شعب بأكمله.
وقال منصور: «عندما أرسم أشجار البرتقال فأنا أرسم أرضاً احتُلت عام 1948، وعندما أرسم أشجار الزيتون فأنا أرسم أرضاً احتُلت عام 1967».
وهكذا أصبحت الشجرة في لوحاته رمزاً للتجذر والاستمرارية، بينما تحول البرتقال إلى استحضار بصري ليافا والقرى والمدن الفلسطينية التي ارتبطت بها الذاكرة الفلسطينية.
لوحات صودرت بسبب رموزها
لم تكن أعمال منصور بمنأى عن الاستهداف. وبحسب ميدل إيست آي، تعرضت بعض لوحاته للمصادرة من معارض فنية منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي.
وقال منصور إنه كان يراقب اللوحات التي يصادرها الإسرائيليون، ولاحظ أن بعضها كان يصور مشاهد تبدو بسيطة، مثل امرأة فلسطينية تعمل في الحقل وترتدي ثوباً تقليدياً مطرزاً.
وكانت هذه التفاصيل اليومية، في نظره، تحمل دلالة تتجاوز قيمتها الفنية، لأنها تثبت حضور الفلسطيني وثقافته وعلاقته بالأرض.
«آخر عشاء في فلسطين»
ومن أشهر أعمال منصور لوحة «آخر عشاء في فلسطين» التي أنجزها عام 1994، وهي معالجة فنية فلسطينية للوحة «العشاء الأخير» الشهيرة لليوناردو دا فينشي.
وفي نسخته، وضع منصور رجلاً فلسطينياً في مركز المشهد، بينما استبدل التلاميذ الاثني عشر بنساء فلسطينيات، ليمنح العمل أبعاداً دينية ووطنية وسياسية متشابكة.
«جمل المحامل».. القدس على الظهر
أما لوحة «جمل المحامل»، التي أنجزها عام 2005، فتحولت إلى واحدة من أكثر أعماله شهرة. وتظهر في اللوحة شخصية فلسطينية تحمل على ظهرها كرة على شكل عين، تتوسطها صورة مدينة القدس. وقد أصبحت اللوحة استعارة بصرية قوية للثقل الذي تمثله القدس في الذاكرة والوجدان الفلسطينيين، وللتاريخ الذي تحمله الأجيال المتعاقبة.
جوائز وتقدير دولي
حظيت أعمال سليمان منصور باهتمام واسع داخل فلسطين وخارجها، وأصبح اسمه مرتبطاً بالفن الفلسطيني المعاصر وباللغة البصرية التي طورتها الحركة الفنية الفلسطينية خلال العقود الماضية.
وحصل خلال مسيرته على عدد من الجوائز، من بينها جائزة اليونسكو-الشارقة للثقافة العربية عام 2019، والجائزة الكبرى في بينالي القاهرة عام 1998، إضافة إلى جائزة فلسطين للفنون البصرية في العام نفسه.
ولم يقتصر دوره على إنتاج اللوحات، إذ اهتم في سنواته الأخيرة بتوجيه الفنانين الشباب وطلاب الفنون، مؤكداً أهمية الحفاظ على الصلة بالثقافة والهوية والانتماء.
وقال منصور: «أؤمن بقوة بأهمية احتضان الحرفة، واحتضان الصلة بشعبك وثقافته وسعيه إلى الحرية»، داعياً طلابه إلى فهم معنى الانتماء وعدم فقدان الأمل.
إرث يتجاوز اللوحات
برحيل سليمان منصور، يفقد الفن الفلسطيني أحد أبرز الفنانين الذين أسهموا في تشكيل صورته الحديثة، لكن أعماله ستظل حاضرة بوصفها أكثر من مجرد لوحات فنية.
فقد بنى منصور عبر مسيرته لغة بصرية تستحضر فلسطين من خلال تفاصيلها الأكثر رسوخاً في الذاكرة: زيتونة، وثوب مطرز، وامرأة فلاحة، وبرتقالة يافا، وكوفية، ومدينة اسمها القدس.
وبهذه الرموز، ترك الفنان الراحل سجلاً بصرياً لذاكرة وطن، وحوّل الفن إلى وسيلة لحفظ الهوية في مواجهة النسيان والمحو.
المصدر: https://www.watanserb.com